حق تقرير المصير

حق تقرير المصير :
ما هو و أين هو في القانون الدولي؟
يعتبر حق تقرير المصير للشعوب من المبادئ الأساسية في القانون الدولي باعتباره حقا مضمونا لكل الشعوب على أساس المساواة بين الناس ،لذلك كانت هناك صلة قوية ومباشرة بين مفهوم حق تقرير المصير بكل أشكاله، وبين مفهوم حقوق الإنسان كفرد أو جماعة عرقية أو ثقافية من جهة، والديمقراطية في صيغتها القديمة والحديثة من جهة أخرى. وتتضح أهمية هذا الحق كونه يشكل الإطار العام الذي تندرج ضمنه الحقوق الأخرى، فكيف يمكن المطالبة بحقوق الإنسان الخاصة في إطار شعب فاقد لحقه في تقرير مصيره , كما هو حال الشعب الازوادي .
وقد جاء تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على هذا الحق في المادة 55 بإعلانها " رغبة  في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب بان يكون لكل منها تقرير مصيرها".
كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق تقرير المصير حيث ورد في المادة 1 للفقرة 1: "لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير ولها إستادا إلى هذا الحق أن تقرر بحرية كيانها السياسي وان تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".
وفي ميثاق الأمم المتحدة تضمنت الفقرة 2 من المادة الأولى أهداف الأمم المتحدة ومنها" إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبان يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.وبذلك يمكن المجازفة بالقول أن حق تقرير

المصير يعتبر قاعدة قانونية ملزمة.
اقترن تقرير المصير , منذ القرن السابع عشر بتعبير حرية الإرادة , حيث عرفه معظم المفكرين على انه" حق الشعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظله أو السيادة التي يريد الانتماء إليها".
وإذا كانت بدايات هذا الحق استهلت في عام 1526 فانه لم يجد تطبيقه الفعلي إلا في بيان الاستقلال الأمريكي المعلن في 4 تموز 1776، وبعدها في وثيقة حقوق الإنسان والمواطن عام 1789 في فرنسا .وعندما حصلت المستعمرات الاسبانية والبرتغالية في أمريكا الجنوبية على استقلالها في الفترة  الممتدة من  عام1810- 1825 خشي الرئيس الأمريكي مونرو أن تلجا الدول الأوروبية إلى التدخل في شؤون دول أمريكا الجنوبية، فاصدر عام 1823 تصريحا تضمن حق تلك الدول في تقرير المصير، كما تعهد بتقديم الدعم الأدبي والعسكري لحكوماتها التي قامت استنادا إلى هذا المبدأ.
وبذلك  نال مبدأ تقرير المصير في أوروبا زخما ضد طغيان الملوك والطبقات الحاكمة، فالثورة الفرنسية أطلقت هذا المبدأ في أوروبا من اجل الأفراد والشعوب والأمم التي من حقها أن تتمتع بالحرية، وان تقاوم الاضطهاد، وان تحدد أوضاعها الداخلية والدولية، فوجدت فكرة الاقتراع العام أو ما أصبح يعرف بديمقراطية الحكم .
وبسبب اختلاف وجهات النظر في تفسير هذا الحق من قبل القوى الاستعمارية والمناهضة للاستعمار لا     سيما في شأن منح الشعوب غير المستقلة استقلالها، فقد عمل ممثلو الدول الاستعمارية على التقليل من شأن هذا الحق وإضعاف أهميته إلى حد إنكار وجوده ضمن مبادئ القانون الدولي، مما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تطلب من لجنة حقوق الإنسان في قرارها رقم 421 الصادر عام 1950 وضع توصياتها حول الطرق والوسائل التي تضمن حق تقرير المصير للشعوب، كما نصت في قرارها رقم 545 الصادر عام 1952 على ضرورة تضمين الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مادة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما وأصدرت عام 1952 القرار رقم 637 الذي جعلت بمقتضاه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطا ضروريا      للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها،

وانه يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة الحفاظ على حق تقرير المصير للأمم الأخرى واحترامه.
استكمال هذا التغيير  تجسد في استخدام كلمة حق droit بدل مبدأ principle بدءا من قرار الأمم المتحدة رقم 1181 عام 1957 كما وأصدرت عام 1960 قرارها رقم 1514 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، الأمر الذي شكل محورا استندت عليها جميع القرارات اللاحقة الخاصة بتقرير المصير الصادرة عن الأمم المتحدة.
وبعد سنوات من ممارسات المجتمع الدولي اتخذت الأمم المتحدة قرارها التاريخي بأغلبية 90 صوتا مقابل لا شيء وامتناع 9 دول مفاده:"حق جميع الشعوب من دون تمييز في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي على أن تتخذ خطوات مرتبة لمنح الشعوب غير المستقلة استقلالها التام، ولا يتخذ أي سبب مهما كان ذريعة لتأخير ذلك، لان إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي إنما هو إنكار لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويعيق السلم والتعاون الدوليين". وقد جمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة جميع المبادئ التي اتخذتها بصدد تقرير المصير في قرار واحد حمل الرقم 2625 عام 1970.
وقد كان عام 1962 شاهدا على صدور قرار مهم عن الجمعية العامة  حمل الرقم 2955 حول حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال وشرعية نضالها بكل الوسائل المتاحة والمنسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة، كما طلبت من جميع الدول الأعضاء في قرارها رقم 3070 الصادر عام 1973 الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي وجميع أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من اجل هذا الهدف.
ومنذ تلك اللحظة اعتمدت الجمعية هذه المبادئ في جميع قراراتها المعنونة تحت" الإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير مصيرها ومنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة والاحترام العالمي لحقوق الإنسان"
ويتجسد حق تقرير المصير في مظهرين اثنين داخلي وخارجي:
الخارجي يقوم بتحديد الوضع الدولي للدولة أو الشعب من حيث اكتساب الاستقلال أو المحافظة عليه واندماجه مع الوحدات السياسية الأخرى، مانحا الوحدة السياسية الطريق الذي تريد أن تسلكه في علاقاتها الخارجية دون أي تدخل خارجي من خلال قيام أو وقف علاقاتها الدبلوماسية، وان تنضم أو تنسحب من المنظمات والهيئات الدولية.
الداخلي فيتمثل في حق أغلبية الشعب داخل الوحدة السياسية المقبولة وفقا لمبادئ القانون الدولي في ممارسة السلطة لإقامة شكل الحكم والمؤسسات الوطنية بصورة تتلاءم ومصالح هذه الأغلبية، ولا يتضمن حق تقرير المصير الداخلي حق الانفصال، إذ ليس للأقليات حق تقرير مصير يمكنها من أن تحتج به للمطالبة بانفصالها عن إقليم الدولة، لكن القانون الدولي رتب حقوقها بان تصون الأغلبية حقوقها عن طريق احترام حقوق الإنسان.
و يمارس حق تقرير المصير عن طريق الديمقراطية والوسائل الودية التي أهمها الاقتراع، لكن إذا أنكرت القوى المهيمنة على السلطة داخل الوحدة السياسية التي يعيش الشعب فيها أو القوى الاستعمارية تطبيق هذا السبيل الودي وأنكرت على الشعوب حقها في تقرير مصيرها، فان لهذه الشعوب أن تمارسه بالكفاح المسلح وهو ما يسمى تقرير المصير الثوري، والكفاح الوطني المسلح ضد الاستعمار أقرته الأمم المتحدة بقراراتها وإعلاناتها والمواثيق التي أقرتها ومارستها، وبذلك لا يعتبر الكفاح من اجل تقرير المصير إرهابا.
إذن  فان ممارسة حق تقرير المصير لأي شعب لا يمكن ممارستها اعتباطيا،

فحق تقرير المصير ثابت نصا ومضمونا وينطوي :

أولا : على تحرير الشعب وأرضه دون قيد أو شرط أو تزييف،

ثانيا : على إزالة مختلف القيود والضغوط التي تؤثر سلبا في تعبير الشعب عن إرادته، ويمكن عندها عن طريق إجراء استفتاء حر ونزيه أن يوصل إلى نتيجة عندها فقط يمكن القول أنها تعبر عن إرادة الشعب بشان تقرير مصيره.
وقد كان الهدف من المواد الواردة في ميثاق الأمم المتحدة هي معالجة حق تقرير المصير في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وتلك المشمولة بنظام الوصاية، أي أن هذا الحق يشمل هاتين الحالتين ولا يمس بشكل من الأشكال وحدة الدول وسيادتها ودليل ذلك مشروع إعلان بشان حقوق الدول وواجباتها الصادر عن الأمم المتحدة حيث نص على
-    عدم تدخل دولة في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى.
-    الامتناع عن إثارة الاضطرابات الداخلية في إقليم دولة أخرى.
جاء هذا النص على  الرغم من أن مسألة حق تقرير المصير ووحدة الدولة ظلت بدون حلول أو اتفاقيات دولية واضحة بسبب محاولة الدول الكبرى استغلال حق تقرير المصير للتدخل في شؤون الدول التي لا تلتزم معها باتفاقيات أو لا تتوافق سياساتها معها.
وبناء على ما سبق  فقد أصبح واضحا في الممارسة الطويلة للمجتمع الدولي دولا ومنظمات دولية أن طبيعة تقرير المصير قد تطورت فأصبحت تعني احد أهم الحقوق التي تقررها مبادئ القانون الدولي المعاصر، فهو يرتب للشعوب حقوقا ويرتب على الدول التزامات ذات طبيعة دولية، وهو حق دولي جماعي وعام في آن واحد فهو حق للشعوب دون الأفراد وهو حق دولي عام لأنه مقرر لكل الشعوب وليس  لفئة دون الأخرى ،وهو يشمل كل الشعوب المستقلة وغير المستقلة وفقا للمعنى السياسي القانوني لتعبير الشعب، كما تحدد في ميثاق الأمم المتحدة وليس وفقا للمعنى المرتبط بمبدأ القوميات.

مكتب الاعلام بالحركة